!أرفض أن أعيش وأنا في الناس ميت

الاختلاف وجَادةُ الصِراع

الحقيقة هي واقعٌ راسخ صحيحٌ كان أم خاطئً، أما الحقُ فهو ما يترسخ قائماً بذاته مطابقاً للصحيح المطلق، بغض النظر عن حقيقة اعتراف الناس به من عدمه. كما أن الحق واحدٌ لا يتعدد، وهو الذي يوافق قصد الشارع. سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عما يعمله الناس أهو أمر قد قضي وفرغ منه أم أمر مستأنف، فقال بل أمر قد قضي وفرغ منه، فقالوا : ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال: “اعملوا فكلٌ ميسرٌ لما خلق له”.

عُرِّف الاجتهاد لغةً على أنه بذل الوسع والمجهود، فهو عمل بشري يحتمل الصحة والخطأ. لذا لا يمكن النظر أو التعامل مع الاجتهاد أو المجتهد على أنه صورة نمطية للإسلام أو للمسلمين أو حتى لطائفة معينة، والتعميم هنا مرفوض في الإسلام والفطرة الإنسانية. كما أن الاختلاف بين البشر أمر حتمي وظاهرة طبيعية كونه السبيل إلى تبيان الحقائق ونقد النقائص. فأعظم النصوص تلك التي يختلف بشأنها أو يُختلف معها. أما في حالات المهادنة والتراضي فقد تبقى بعض الحقائق متوارية ومحتجبة.

“الحقيقة أن (الاختلاف) هو حلقة الوصل والامتزاج الفطري لكل مجتمع وكل ثقافة، والنطاق يتسع مادامَ أن هناك ما نختلف عليه!”

طبيعة أي حراك ثقافي صحي تكون في الاختلاف مع القناعة بأن لكل طرف حق الاختلاف والإقناع والتبرير (الرأي والرأي الآخر) وذلك دون المساس بدين أو انتماء للآخر، فهذا تجاوز لمساحة حرية الاختلاف. ومما لا شك فيه أن الإنكار على المخطئ أمر مشروع، بقصد بيان الحق وإقامة العدل. ولا يعني هذا أن يُعامل الاختلاف على أساس الخلاف، بل ينبغي حمله على أحسن المحامل، وإعذار المخالف، مالم يتبين في مخالفته أي مقاصد غير سويه.

“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”

الإمام الشافعي

الاختلاف وجادة الصراع!

من الضرورة احترام الحوار وعدم الانسياق وراء شخصنة الاختلاف والانتهاء به إلى الاسراف في عبارات الانتقاص والاقتناص للزللات. لا سيما أن تحول الحوار إلى شجار قد ينعكس على سلوكيات بعض الاشخاص لتأخذ العزة صاحبها إلى الوقوع في الخطأ والذي يتباين حجمه بناءً على عوامل ايدولوجية واجتماعية أخرى. رأيت في مواقع التواصل الاجتماعي العديد من حالات الاختلاف التي تنشأ بين الأحزاب المختلفة، حيث تبدأ اختلافاً في الفكرة لتنتهي خلافاً بين أشخاصٍ يمثل كل طرفٍ منهم الحزب الآخر. ويتطور هذا الخلاف ليصبح عامل مؤثر في التغيير ولكن ليس كما نرجوا للأفضل بل إلى الأسوأ. فالخلاف في عدم قبول الرأي والرأي الآخر يقوم بتحريك النزعة العاطفية التي يجسدها كل حزب حسب ايدولوجيته الخاصة على شكل حرب عصابات منظمة هدفها اقصاء الآخر من خلال التخوين والطعن في العقيده والانتماء.

“الخِلاَفْ الطَويل يَعْنِي: أنّ كِلاَ الطّرَفينْ عَلَىْ خَطَأ!”

فولتير

المصيبة أن ينعكس الصراع بين أفراد الأحزاب المختلفة على شكل سلوكيات سلبية من البعض الآخر من أفراد المجتمع وذلك لمجرد تسجيل موقف أو اظهار تبعيه لأي من هذه الأحزاب المختلفة. فقد تتمثل هذه السلوكيات في انتقاص الدين، أو التعميم بالرجعية على من يتحدث به. وعلى الجانب الآخر قد تكون في تخوين المفكرين والأدباء، والله أعلم بما تخفي الصدور!

إنَّمـا الأمـمُ الأخـلاقُ ما بقـيتْ       فإنْ هي ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا

أحمد شوقي

إن للاختلاف دور في التأثير على أخلاقيات المجتمع المدني المنضبط ضمن القيم والعادات الإسلامية. فقد رأينا الأخت المحجبه تخلع حجابها لتسجيل موقف استفزازي للرأي الآخر، ومن ثم تأجيج الصراع بين أحزاب المجتمع المنفتحه والمحافظه. ليتبع ذلك قيام الأخ المسلم في تكفير وتخوين أخية المسلم. والدائرة تدور!

***

“أنتَ أعمى وأنا أبكم، فليُدْرك بعضنا البعض بالأيدي.”

جبران خليل جبران

عادة ماتظهر فطرتنا في أسباب ودوافع الاختلاف، والتي باتت لأغراض إنسانية نبيله؛ ولو أدركنا هذه الحقيقة لزالت الأحقاد والأضغان. فإذا ما ظهر السبب، بَطُلَ العجب، “وإلا فما الغرض في أن اختلف معك في أمر قد حسمته مع نفسي!”. إلا أن يكونَ الدافع من الاختلاف هو الوصول إلى أفضل المتاح مع الرغبة في مشاركة الجميع. وأن القصد نبيل في أنْ أُحب لأخي ما أحبُ لنفسي! كما أن ما نحبُ في العادة لا يتجاوز أحد الحالتين، الحالة الأولى بأن يكون خيارنا الأفضل نفعاً، وأما الحالة الثانية في أن يكون خيارنا هو الأقل ضرراً. ولكن مع الاختلاف فإن أنفسنا تنازعنا بين الأمريّن، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فرفقاً بنا أيها المتنازعين!

عبدالله التركي (@aialturki)

The flight of deep sleep: the conflict of the placelessness

The term sense of place has been defined and used in many different ways by many different people. To some, it is a feeling or perception held by people (not by the place itself). It is often used in relation to those characteristics that make a place special or unique, as well as to those that foster a sense of authentic human attachment and belonging.

As well, the sense of place is often associated and considered reciprocally influential with emotions, and that influence would be the driving force behind our actions in order to adapt our feelings toward this place.

This adaptation might not be easy, even more if you considered the place as a placeless spot, which have no special relationship to the place in which it is located—it could be anywhere. Roadside strip shopping mall, gas/petrol station and even plane in the air!

What is hard to know, that you have to go through it, and go through it alone. But on the flip side it is good to know that there is so much support out there. As my father would try and encourage me with reciting the story Going on a Bear Hunt, “you can’t go over it, you can’t go under it, you have to go through it”.

That happened when I was in the flight SV37 from Riyadh, Saudi Arabia heading to Washington D.C, United States. It was the first back after vacation to me as a graduate student at the United States. I started my journey by going early to King Khalid International Airport in Riyadh. The airport was too crowdie, and I was wondering how all these people were feeling about leaving, and how they think about the value of the place. However, I ignored my thoughts, and I stayed focused until I finished my traveling procedures, then I went to the waiting lounge.

Shortly after, it was the boarding time, and I had been seated in the seat #37B beside the aisle on the left side of the plane. As usual, passengers were busy searching for their seats and preparing them to be comfortable for the trip. Later, it was the time to start our journey, the journey of the conflict between the placelessness and emotions, between our reactions to the surrounding environment and what is actually going on.

The place was cold. Not in the temperature, but in the lack of warmness. I was looking around trying to identify how the others feel. A young girl was crying, and I assumed that she would do that in order to change her mood and feel better. Another person was introducing himself to his neighbor, and I think that it was to make sure that he would not need to change his seat later. Everybody was doing the adaptation process and there was a kind of diversity. Not in the humans, but in the way they choose to fulfill their needs. 

The exception was in the way that my neighbor used to achieve the mission. It was through sleeping. Yes, sleeping for more than the average rate that everybody sleeps! And simply all problems solved. That is the corner-stone of my idea, so it is not about doing more with less, but rather it is about using the abundance that you already have.

 “When you are in deep conflict about something, sometimes the most trivial thing can tip the scales.”

Ethel Merman

That is it! Face your conflicts, no matter how trivial your actions would be or not. Believe in yourself and let it do what it thinks best. It won’t go wrong as long as it is yours.

That is all!

Abdullah Alturki (@aialturki)

الغوغائية ومُنحنى النهضة

النهضة في لسان العرب من النُّهوضُ وهي البَراحُ من الموضع والقيامُ عنه. والنهضة بمعناها الواسع هي عبارة عن ذلك التطور القديم في كلٍ من الفنون والآداب والعلوم، وطرق التعبير، والدراسات، وما صاحب ذلك من تغير في أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية. وهي عملية فكرية تتجاوز انغلاق فترة زمنية سابقة.

“مَن لم يَزد شيئاً في الدُنيا، فهوَ زائدٌ في الدُنيا”

مصطفى الرافعي

لا يخفي على الجميع أن الممارسات النهضوية تتباين من مجتمع إلى آخر لتعكس اختلافاً في استيعاب الآخرين لمصطلح النهضة، فتارة نجد مجتمعاً يرى أن الطريق إلى النهوض يكمن في احياء التراث القديم والنهوض به، وذلك كما حصل بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م على يد العثمانيين بقيادة محمد الفاتح حيث نزح العلماء إلى إيطاليا حاملين معهم تراث اليونان والرومان. ومن إيطاليا انتشرت النهضة إلى فرنسا وإسبانيا وألمانيا وهولندا وانكلترا وإلى سائر أوروبا.

وكنتيجة أخرى لتبيان الأفهام بين المجتمعات فيما يتعلق بمصطلح النهضة؛ نجد الغوغائية، حيث يتصور بعض الأفراد أن معيار النهوض هو المبادرة بانتقاد (لا نقد) وانتقاص كُل ما يعيق مسار النهضة، من دون التريث والنظر إلى البنية الفكرية والطبيعة الإيديلوجية للمجتمع. فالغوغائية هي عبارة عن مصطلح يُستعار به في قاموس لسان العرب للغَوْغاءِ من الناسِ لكثرة لَغَطِهم وصِياحِهِم. وبهذا تخلق الغوغائية دائرة غير منتهيه للصراع، ليجد ممارسوها بأنهم يدورون داخل حلقةٍ مفرغة، وأن صراخهم ليس سوى غُبار عبار لا يجسد وجوداً موضوعياً ولا يُسند به جدار نهضةٍ ولو كان قائم.

“كلُ فارغٍ من البشر والأشياء لهُ جلبةٌ وصوت وصراخ، أما العاملون المثابرون فهم في سكون ووقار؛ لأنهم مشغولون ببناء صروح المجد وإقامة هياكل النجاح”

د. عائض القرني

الأمثلة على الممارسات الغوغائية كثيرة ولا تقتصر على مجتمع دون آخر، ومنها الطعن في مقاصد الآخرين لأسبابٍ عاطفية أو عقائدية جاهلية يراها أرباب الغوغائية، متناسين في ذلك بأن الحكم في سرائر الآخرين ظلمٌ وافتراء، ومبررين سوء عملهم بدرءِ المفاسد وحُسنِ الدوافع. أيضاً نجد الإقصاء كمثالٍ آخر للممارسات الغوغائية وذلك في كل ما يتعارض مع وجهات النظر الشخصية، لتصبح المسألة تصفية للحسابات الشخصية وتركاً لقافلة النهضة تمضي في اتجاه غير معلوم.

ولو نظرنا إلى تركيبة الداخلية لممارسي الغوغائية لوجدنا تناقضاً واضحاً بين الدافع والسلوك، فنجدهم يجسدون الشخصية الروائية “روبن هوود” وذلك من خلال سلوكيات متمردة ذات دوافعٍ حسنة!، فهم يريدون النهضة ولو بالنَّفرة. ولا يخفى على الجميع أن ممارساتهم لا تتجاوز كونها توسيعاً لدائرة الصراع وتأخيراً لمشروع النهضة. إضافةً إلى هذا التناقض بين الدافع والسلوك، نجدُ تناقضاً بين الاعتقاد والواقع، فإن ممارسي الغواغائية يطوعون الشعارات لتخدم اعتقاداتهم ويجعلون من الأحداث رصيداً لهم، بعكس الواقع، ليجددون به نشاطهم و يحيون فيه ممساراتهم.

قرأت قصة أستاذ ثوره اليابان الصناعية «تاكيو اوساهيرا» وهي موجودة في كتاب «كيف أصبحوا عظماء؟» كيف كان طالباً صغيراً ذهب للدراسة في ألمانيا، فكان ينسل إلى ورشة قريبة فيخدم فيها خمس عشرة ساعة على وجبة واحدة، فلما اكتشف كيف يدار المحرك وأخبر الأمة اليابانية بذلك استقبله عند عودته في المطار إمبراطور اليابان، فلما أدار المحرك وسمع الإمبراطور هدير المحرك قال: هذه أحسن موسيقى سمعتها في حياتي!

لا يمكن أن تكون النهضة حكراً على مجال أو رِجال، ولا كثرةٍ أو قلة، بل هي مبادرةٌ فردية ذات قيمٍ سامية، تدعمها ظنونٌ صافية. فمن الممكن للنهضة أن تكون نهضةً دينية، حقوقية، فكرية، صناعية، وغيرها. كما لا يمكن لأي شخص تحديد مسار النهضة، بل أن النهضة هي من تحدد مسارها من خلال نتاج أنصارها. لذا، فإن النهضة تعني أن ينهض كُل إنسانٍ بنفسه وأن يُشارك في مشروع النهضة ابتداءً من نتاجه، وانتهاءً بما قدمه الآخرون ممن حفظ لهم التاريخ مساهماتهم النهضوية.

قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ مكارمُهمْ ،، وعاشَ قومٌ وهمْ في الناسِ أمواتُ

الشافعي

همةٌ في مباردة وعزيمةٌ مع مثابرة، ذلك هو الأمل الباقي لمشروع النهضة، فالعيش أضيق أن يكون بلا أمل. وإن شغلنا صراعنا الغوغائي عن النهوضِ بأنفسنا، وأصبح جُل نتاجنا كلام وصراخ. فالمهم أن لا يصبح حلمُ النهضة مجرد مجدٍ سبقنا به الأجداد الأولون ليتغني به أبنائنا اللاحقون، ويجب أن لا يكون الحاضر مجرد فجوةٍ في جدار الزمن لم تنجح إلا في تصدير مجد الماضي وتسليمه إلى احتمالات المستقبل. وبهذا نُحيي المستقبل بإذن الله.

عبدالله التركي

الشَريعة والمَدنية: ارتباطٌ لا خلطْ وتمييزٌ لا فصلْ

من الطبيعي أن لكل مجتمع سُلطة تساهم في توجية سلوكيات أفراده وبالتالي خلق نوع من الوحدة الاجتماعية ذات الأهداف المحددة. فعلى سبيل المثال نجد أن هناك مجتمعات تمَارسْ فيها سُلطة العادات والتقاليد ومُقاومة التغيير، وأخرى تمَارسْ فيها سُلطة العقل والمنطق وغيرها. كما انه من الطبيعي وجود تنوع في أنواع هذه السُلطة المؤثرة لكل مجتمع لنجد مجتمعات تَجمع أكثر من سُلطة وبالتالي أكثر من وحدة اجتماعية كلٌ منها على حدا يمثل فئة معينة في المجتمع ذات استقلالية ايديولوجية. وبناءً على ذلك فقد بات تأثير السُلطة على أفراد هذه المجتمعات مرهوناً إما بضرورة التسليم المطلق، أو إخضاع الإفكار المطروحة للعقل والمنطق ومن ثمَ حُرية الاتباع لهذه الأفكار. وهذا ما قد يتجسد في الصِراع الحاصل بين بعض عناصر السُلطة الدينية، وبعض عناصر السُلطة المدنية.

التصور الطبيعي للعلاقة بين السُلطة الدينية والمدنية أنها علاقة وحدة وارتباط لا خلط أو تطابق فالأولُ مِنهُا يكمِل الآخر. وعلاقة تمييز لا فصل مما يعني (دينية التشريع) وليس السُلطة كما في الثيوقراطية، و(مدنية السُلطة) ولكن ليس التشريع كما في العلمانية.

بات الخلط بين مدنية السُلطة ودينية التشريع يجسد الفجوة بين السُلطة الدينية والمجتمع الجديد الراغب في إخضاع العقل والمنطق. ولنأخذ حظر قيادة المرأة على سبيل المثال لا الحصر، فقد كان الواجب تمييز العلاقة لا الفصل بينهما بأن دينية التشريع التي (لا تحرم القيادة)، ومدنية السُلطة (غير جاهزة  لها)، وارتباطهم لا الخلط بينهُما (يمنعها) لأسباب موضوعية تجسدت في أنظمة مدنية وقواعد تشريعية قابلة للنقد والحوار.

والأمر الذي قد يتفق عليه البعض هو أنَ استغلال دينية التشريع في تسيِس الرأي المدني من قبل بعض المُتحمسين قد يجعل الإسلام في مواقفٍ هوَ منها براءَ.

عبدالله التركي