الغوغائية ومُنحنى النهضة

by Abdullah Alturki

النهضة في لسان العرب من النُّهوضُ وهي البَراحُ من الموضع والقيامُ عنه. والنهضة بمعناها الواسع هي عبارة عن ذلك التطور القديم في كلٍ من الفنون والآداب والعلوم، وطرق التعبير، والدراسات، وما صاحب ذلك من تغير في أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية. وهي عملية فكرية تتجاوز انغلاق فترة زمنية سابقة.

“مَن لم يَزد شيئاً في الدُنيا، فهوَ زائدٌ في الدُنيا”

مصطفى الرافعي

لا يخفي على الجميع أن الممارسات النهضوية تتباين من مجتمع إلى آخر لتعكس اختلافاً في استيعاب الآخرين لمصطلح النهضة، فتارة نجد مجتمعاً يرى أن الطريق إلى النهوض يكمن في احياء التراث القديم والنهوض به، وذلك كما حصل بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م على يد العثمانيين بقيادة محمد الفاتح حيث نزح العلماء إلى إيطاليا حاملين معهم تراث اليونان والرومان. ومن إيطاليا انتشرت النهضة إلى فرنسا وإسبانيا وألمانيا وهولندا وانكلترا وإلى سائر أوروبا.

وكنتيجة أخرى لتبيان الأفهام بين المجتمعات فيما يتعلق بمصطلح النهضة؛ نجد الغوغائية، حيث يتصور بعض الأفراد أن معيار النهوض هو المبادرة بانتقاد (لا نقد) وانتقاص كُل ما يعيق مسار النهضة، من دون التريث والنظر إلى البنية الفكرية والطبيعة الإيديلوجية للمجتمع. فالغوغائية هي عبارة عن مصطلح يُستعار به في قاموس لسان العرب للغَوْغاءِ من الناسِ لكثرة لَغَطِهم وصِياحِهِم. وبهذا تخلق الغوغائية دائرة غير منتهيه للصراع، ليجد ممارسوها بأنهم يدورون داخل حلقةٍ مفرغة، وأن صراخهم ليس سوى غُبار عبار لا يجسد وجوداً موضوعياً ولا يُسند به جدار نهضةٍ ولو كان قائم.

“كلُ فارغٍ من البشر والأشياء لهُ جلبةٌ وصوت وصراخ، أما العاملون المثابرون فهم في سكون ووقار؛ لأنهم مشغولون ببناء صروح المجد وإقامة هياكل النجاح”

د. عائض القرني

الأمثلة على الممارسات الغوغائية كثيرة ولا تقتصر على مجتمع دون آخر، ومنها الطعن في مقاصد الآخرين لأسبابٍ عاطفية أو عقائدية جاهلية يراها أرباب الغوغائية، متناسين في ذلك بأن الحكم في سرائر الآخرين ظلمٌ وافتراء، ومبررين سوء عملهم بدرءِ المفاسد وحُسنِ الدوافع. أيضاً نجد الإقصاء كمثالٍ آخر للممارسات الغوغائية وذلك في كل ما يتعارض مع وجهات النظر الشخصية، لتصبح المسألة تصفية للحسابات الشخصية وتركاً لقافلة النهضة تمضي في اتجاه غير معلوم.

ولو نظرنا إلى تركيبة الداخلية لممارسي الغوغائية لوجدنا تناقضاً واضحاً بين الدافع والسلوك، فنجدهم يجسدون الشخصية الروائية “روبن هوود” وذلك من خلال سلوكيات متمردة ذات دوافعٍ حسنة!، فهم يريدون النهضة ولو بالنَّفرة. ولا يخفى على الجميع أن ممارساتهم لا تتجاوز كونها توسيعاً لدائرة الصراع وتأخيراً لمشروع النهضة. إضافةً إلى هذا التناقض بين الدافع والسلوك، نجدُ تناقضاً بين الاعتقاد والواقع، فإن ممارسي الغواغائية يطوعون الشعارات لتخدم اعتقاداتهم ويجعلون من الأحداث رصيداً لهم، بعكس الواقع، ليجددون به نشاطهم و يحيون فيه ممساراتهم.

قرأت قصة أستاذ ثوره اليابان الصناعية «تاكيو اوساهيرا» وهي موجودة في كتاب «كيف أصبحوا عظماء؟» كيف كان طالباً صغيراً ذهب للدراسة في ألمانيا، فكان ينسل إلى ورشة قريبة فيخدم فيها خمس عشرة ساعة على وجبة واحدة، فلما اكتشف كيف يدار المحرك وأخبر الأمة اليابانية بذلك استقبله عند عودته في المطار إمبراطور اليابان، فلما أدار المحرك وسمع الإمبراطور هدير المحرك قال: هذه أحسن موسيقى سمعتها في حياتي!

لا يمكن أن تكون النهضة حكراً على مجال أو رِجال، ولا كثرةٍ أو قلة، بل هي مبادرةٌ فردية ذات قيمٍ سامية، تدعمها ظنونٌ صافية. فمن الممكن للنهضة أن تكون نهضةً دينية، حقوقية، فكرية، صناعية، وغيرها. كما لا يمكن لأي شخص تحديد مسار النهضة، بل أن النهضة هي من تحدد مسارها من خلال نتاج أنصارها. لذا، فإن النهضة تعني أن ينهض كُل إنسانٍ بنفسه وأن يُشارك في مشروع النهضة ابتداءً من نتاجه، وانتهاءً بما قدمه الآخرون ممن حفظ لهم التاريخ مساهماتهم النهضوية.

قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ مكارمُهمْ ،، وعاشَ قومٌ وهمْ في الناسِ أمواتُ

الشافعي

همةٌ في مباردة وعزيمةٌ مع مثابرة، ذلك هو الأمل الباقي لمشروع النهضة، فالعيش أضيق أن يكون بلا أمل. وإن شغلنا صراعنا الغوغائي عن النهوضِ بأنفسنا، وأصبح جُل نتاجنا كلام وصراخ. فالمهم أن لا يصبح حلمُ النهضة مجرد مجدٍ سبقنا به الأجداد الأولون ليتغني به أبنائنا اللاحقون، ويجب أن لا يكون الحاضر مجرد فجوةٍ في جدار الزمن لم تنجح إلا في تصدير مجد الماضي وتسليمه إلى احتمالات المستقبل. وبهذا نُحيي المستقبل بإذن الله.

عبدالله التركي

Advertisements